الشيخ محمد رشيد رضا

148

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

على اللّه تعالى معتد على مقام الربوبية إذ لا يحرم على العباد الا ربهم ، وان من أطاعه في ذلك فقد اتخذه شريكا للّه تعالى في ربوبيته . والآيات في هذا المعنى كثيرة وان من هذا الشرك والافتراء على اللّه تعالى ما حرمت الجاهلية من الانعام والحرث كما فصل في الآيات التي قبل هذه وقد ختم اللّه تعالى هذا السياق ببيان ما حرمه على عباده من الطعام على لسان خاتم رسله وشرع من قبله فقال * * * ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) أي قل أيها الرسول لهؤلاء المفترين على اللّه تعالى فيما يضرهم من تحريم ما لم يحرم عليهم ولغيرهم من الناس لا أجد فيما أوحاه اللّه تعالى إلي طعاما محرما على آكل يريد أن يأكله بل الأصل في جميع ما شأنه أن يؤكل أن يكون مباحا لذاته الا أن يكون ميتة أي بهيمة ماتت حتف أنفها ولو بسبب غير التذكية بقصد الاكل أو دما مسفوحا أي مصبوبا كالدم الذي يجرى من المذبوح أو لحم خنزير فان ذلك كله خبيث تعافه الطباع السليمة وضاربا لابدان الصحيحة « 1 » أو فسقا أهل لغير اللّه به وهو ما يتب به إلى غيره تعبدا ويذكر اسم ذلك الغير عليه عند ذبحه « 2 » وجعل بعضهم الوصف بالرجس للحم الخنزير خاصة واستدلوا به على نجاسة عينه حتى قال بعضهم بنجاسة شعره ، وما اخترناه من كون الوصف لجميع ما ذكر من الأنواع الثلاثة هو المتبادر وهو أظهر في الميتة والدم المسفوح منه في لحم الخنزير ولا سيما إذا أريد بالرجس الحسي منه فان طباع أكثر البشر تستقذرهما وتعافهما ولحم الخنزير من أجمل اللحوم منظرا فلا يعافه الا من يعتقد حرمته وذلك استقذار معنوي لا حسي وانما يستقذر الخنزير حيا بملازمته للاقذار وأكله منها . والأرجح أن سبب تحريم لحمه ما فيه من الضرر لا كونه من القذر وتقدم بيان ذلك في تفسير آية المائدة أابن كثير وحمزة ( تكون ميتة ) بالتاء لتأنيث ميتة وابن عامر بالتاء مع رفع ميتة على معنى الا أن توجد ميتة ، والباقون بالياء مع نصب ميتة وهذه

--> ( 1 ) قد فصلنا القول في تفسير آية المائدة ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ) الخ في علة التحريم وحكمته بما في هذه المحرمات من الضرر ( 2 ) وقد فصلنا القول فيه يبا في تفسير قوله تعالى ( 6 : 120 وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) من هذه السورة وهذا الجزء وسبق لنا تفصيل دونه في تفسير آية المائدة وكذا تفسير آية البة التي بمعنى هذه الآية